بيان المعارضة: صرخة ضد الحاضر

نعيش في عصر من الوهم الصارخ، حيث ضلّت البوصلة الأخلاقية للبشرية طريقها في ضوضاء التقدم. وبينما وصلنا تكنولوجياً إلى القرن الحادي والعشرين، فإننا لا نزال راكدين أخلاقياً في أحلك العصور الوسطى. إنه زمن أحتقره بشدة، لأنه ينمّي أسوأ ما في الطبيعة البشرية بدلاً من رعاية أفضل ما فيها. يسيطر الحقد والاستياء في كل مكان، مدفوعين بنظام يوحي لنا باستمرار بأننا لسنا كافيين. ومن هذه المقارنة الدائمة ينمو كره عميق ومشلّ، يسمم المناخ الاجتماعي ويجردنا من قدرتنا على التعامل مع بعضنا البعض بتعاطف وكرامة.

وما لا يمكن تحمله بشكل خاص هو الصحوة العالمية لنظام سلطوي جديد وقاسٍ، يضحي بملايين الأرواح من أجل كبرياء وطموحات مستبدين أفراد. إنني أشعر بازدراء عميق لرموز مثل فلاديمير بوتين، ودونالد ترامب، وبنيامين نتنياهو، الذين يعملون كمهندسين للمعاناة والانقسام والحرب التي لا تنتهي. إنهم يستغلون الخوف كسلاح، ويدمرون الديمقراطيات، ويقبلون بدم بارد موت الأبرياء لمجرد تأمين قوتهم أو توسيعها. لم تعد الحرب أثراً تاريخياً، بل أصبحت الأداة الدموية لأنانيين بلا ضمير يدفعون العالم إلى حافة الهاوية بينما تقف البشرية متفرجة بلا حيلة.

ويحيط بهذا الدمار مهندسو واقعنا الرقمي: التنفيذيون في شركات التكنولوجيا الكبرى. لقد حول هؤلاء الأقطاب في "سيليكون فالي" نقاط ضعفنا النفسية إلى تجارة بمليارات الدولارات. إنهم يسيطرون على منصات مبرمجة عمداً لإثارة الإدمان والانقسام والغضب، فقط لتحسين عوائد الإعلانات. وتحت قناع "التواصل"، أنشأ هؤلاء الرؤساء التنفيذيون منتديات للكراهية حيث تعطي الخوارزميات الأولوية للأكاذيب على الحقيقة، وللتحريض على الحوار. إنهم يتحملون مسؤولية مباشرة عن التجهيل الجماعي والوحشية العاطفية لمجتمعنا، كل ذلك بينما يختبئون وراء ملياراتهم والأعمال الخيرية السطحية.

وفي نهاية المطاف، فإن الفجوة غير المبررة بين الفقر الفاحش والثراء المفرط تمزق الرابط الأخير لتضامننا. إنه لأمر غير مبرر فكرياً وأخلاقياً أن تمتلك حفنة من الأفراد المحظوظين أكثر مما تملكه نصف البشرية، بينما يموت الأطفال جوعاً في أماكن أخرى. إن رأسمالية الافتراس العالمية هذه تكافئ الجشع وتعاقب الصادقين. عندما تُعلن الثروة كرمز للمكانة ويُعتبر الفقر فشلاً شخصياً، فإن النظام بأكمله يكون قد فشل. إنني أرفض قبول هذا العالم الحالي، الذي يقيس قيمة الإنسان برصيده البنكي، وأطالب بعودة جذرية إلى العدالة والعقل والإنسانية.

لأنه في النهاية، تكشف النظرة الفاحصة والواقعية حقيقة أساسية: وهي أن 99.9 بالمئة من البشر متماثلون جوهرياً؛ نتشارك المخاوف نفسها، والآمال نفسها، والرغبة العالمية في الحرية والسلام. لا يوجد إنسان عادي يتوق إلى الحرب. فعدد قليل جداً من الفلسطينيين لديهم مشكلة مع الناس في إسرائيل، وقليل جداً من الأوكرانيين يحملون ضغينة ضد الشعب الروسي. نحن جميعاً بشر نريد العيش على الأرض نفسها. إن السم الحقيقي ليس الشعوب، بل حكامهم. إنهم النخب السياسية والمستبدون الذين يصنعون صوراً وهمية للأعداء، ويزكون الروح القومية المتطرفة، ويزجون ببلدان بأكملها في معاناة الحرب التي لا توصف لفرض مصالحهم الخاصة. إن الصراع لا يكمن بين الشعوب، بل بين الإنسانية ومن يحكمونها.

Options
نعم فعلا لا